يوسف بن محمد البلوي المالقي ( ابن الشيخ )

294

كتاب ألف باء ( في أنواع الآداب وفنون المحاضرات واللغة )

( 13 ) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ [ المؤمنون : 12 - 14 ] وما خلق إلا وله رزق . وكم من ملك سخر في ذلك الغذاء إلى أن وصل إلى فمك ، وكم من عضو حرك منك حتى حصل في جوفك ، ثم انقطعت حيلتك إن زعمت أن لك حيلة قبلها ، وذلك باطل . أين حيلتك ؟ صرفها فيما حصل في جوفك ، أو في ذلك الغذاء قدره ، أو اعلم بما يتصرف داخل الجوف إلى أن صرف . تقول قبل ذلك : فعلت وصنعت وعجنت وطبخت ورفعت يدي إلى فمي ومضغت بأضراسي ولكت بلساني وبلعت بحلقي ، همك ذلك وليس كذلك ، ولا كرامة بل ملائكة ربي وعونه وتسهيله وإرادته . فإن كنت صادقا فصرف ما حصل في الجوف وردّه دما وصفه ، وأرسل لكل عضو منك ما يصلح له وما يتغذى به ومقدار ما يحتاج إليه . هيهات ماذا بعشك فادرجي . إن اللّه ملائكة في باطنك ، بعضهم يسوق الغذاء بعد التصفية والتنخيل إلى الأعضاء بقدر ما يصلح بها ، فيرسل إلى الظفر من رجلك ما به يشتد ويصير على شكله ، وإلى شعر رأسك ما به يسودّ ويمتدّ ، وإلى فخذك ما تغلظ به ، وإلى أنفك ما يصير على ما هو به ، وإلى القلب ، وإلى السمع ، وإلى البصر ، وإلى كل شكل ما يشكل له . ولو كان ذلك بغير مقدار لكبر الأنف مثلا ، ورق الفخذ ، وانفلق العظم ولم يكن مجوفا . ولو لم يراع الملك القسمة والتقسيط في الأعضاء الباطنة لفسد الجسم ، وصار على غير ما هو عليه . وقس على هذا ما لم نذكر لك ، فإنه بعض من كل . ولا فرق بين جسمك في التغذية وبين تغذية الثمرة وإرسال الغذاء إلى الورقة والسفلى منها كالعليا وإلى العظم والعجم . وكذلك في جميع الحيوانات والنباتات . هذا في الأشياء الصغار . فما ظنك في الكبار . وإذا كانت القطرة من السماء لا تنزل إلا ومعها ملك فكيف بحال ابن آدم ؟ . ألم تسمع قوله تعالى : لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ [ الرعد : 11 ] قيل في التفسير : ملائكة يحفظونه بأمر اللّه . وكما يروى أن رجلا سمع واعظا يقول في هذا المعنى : إن للّه ملائكة يحسنون عون العبد في كل شيء حتى في أكل التمر بالزبد ، فاستبعد هذا لجهله . ولما دخل منزله قدم له تمر وزبد فضحك وقال لامرأته : ما سمع الواعظ ، يقول على جهة الهزء ، وقال : أي شيء أحتاج أنا في هذا إلى الملك ، وأخذ لقمة ووضعها في فيه فشرق بها فمات .